عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 15

خريدة القصر وجريدة العصر

لكنّها فشا فيها وفي نواحيها الخراب في أواخر القرن السادس الهجريّ ، لكثرة الفتن والتعصّب بين الشافعيّة والحنفيّة والحروب المتّصلة بين الحزبين . واستشرى ذلك في الربع الأوّل من القرن السابع ، فكلما ظهرت طائفة نهبت محلّة الأخرى وأحرقتها وخربتها ، لا يأخذها في ذلك إلّ ولا ذمّة . وكانت مع ذلك لا تدوم بها دولة سلطان أو يقيم بها فيصلح فاسد . قال ياقوت : وكذلك الأمر في رساتيقها وقراها التي كانت كلّ واحدة منها كالمدينة . ويظهر من هذا ومما ذكره ياقوت نفسه عن خراب الرّيّ لعهده أيضا أن موجة من التعصب الذميم الذي يأباه الإسلام ، قد اجتاحت إيران في العصور الوسطى ، أدت إلى خرابها وذهاب العلم منها ، كما اجتاحتها موجة أخرى من إلحاد الباطنيين الذين أقلقوا البلاد بالفوضى والتخريب واغتيال الخلفاء والوزراء وأعيان علماء الملّة . وقد عجزت الدولة عن قمع فتنتهم ومحو باطلهم ، حتى طلعت عليهم جيوش التتار من صحاري آسية الوسطى ، فأخمدت أنفاسهم ، وأماتت بقايا دعوتهم في « الموت » . ولست أشكّ في أنه كان لهؤلاء الباطنيين الأثر الأكبر في إيقاد نيران الحروب بين الحنفية والشافعية ، وبينهم وبين غيرهم ، إذ كان مذهبهم إشاعة الفوضى والاضطرابات في جوانب المملكة الإسلامية ، وضرب المتخالفين بعضهم ببعض ، لينفذوا من ذلك كله إلى هدفهم الأكبر ، وهو إبعاد الإسلام ومحو آثار العرب والعربية وحكم المملكة بأسلوبهم الخاصّ . * * * تفتح ذكاء العماد في هذه البيأة ، وقد ذرّ فيها قرن الفساد والتخريب ، ورأى في صغره أشياء من مقدماته وصورا منكرة للفساد السياسي الذي تعرض رجال بيته لشره ، كما أدرك فيها أعقاب عهود النشاط العلمي الحادّ الذي تفردت به أصبهان أو كادت ، وقد وجد فيما سمعه من أخبار أعيان العلماء والأدباء وأئمة العربيّة الذين أخرجتهم مدينته وفيما رآه من